2 - وسائل الاحراز التعبدي

وأهم ما يبحث عنه في علم الاصول كوسيلة تعبدية لاحراز صدور الدليل من الشارع، خبر الواحد، ويراد به الخبر الذي لم يحصل منه القطع بثبوت مؤداه.

والكلام فيه في ثلاث مراحل: احداها: استعراض الادلة المدعاة على حكم الشارع بحجيته. وثانيتها: استعراض الادلة المدعى كونها معارضة لذلك. والمرحلة الثالثة: تحديد دائرة الحجية وشروطها بعد فرض ثبوتها، وسنبحث هذه المراحل تباعا.

أدلة حجية خبر الواحد

وقد استدل على الحجية بالكتاب والسنة. اما الكتاب الكريم فبآيات. منها آية النبأ، وهي قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاء‌كم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(1).

___________________________________

(1) الحجرات 6. (*)

[253]

وتقريب الاستدلال ان الجملة في الآية الكريمة شرطية، والحكم فيها هو الامر بالتبين، وموضوع الحكم النبأ وشرطه مجئ الفاسق به، فتدل بالمفهوم على انتفاء وجوب التبين عن النبأ إذا انتفى الشرط ولم يجئ به الفاسق، وهذا يعني انه لا يجب التبين في حالة مجئ العادل بالنبإ، وليس ذلك إلا لحجيته.

وقد نوقش في الاستدلال المذكور بوجهين: الاول، ان مجئ الفاسق بالنبإ شرط محقق للموضوع لانه هو الذي يحقق النبأ، وليس للجملة الشرطية مفهوم إذا كان الشرط مسوقا لتحقق الموضوع، كما تقدم في بحث مفهوم الشرط. وحاول صاحب الكفاية ان يدفع هذه المناقشة بدعوى انها انما تتم على الافتراض المتقدم في تعيين الموضوع والشرط، واما إذا قيل بان الموضوع هو الجائي بالنبأ، والشرط هو الفسق، كانت الآية في قوة قولنا، إذا كان الجائي بالنبأ فاسقا فتبينوا. ومن الواضح حينئذ ان الشرط هنا ليس محققا للموضوع، فيتم المفهوم. ولكن مجرد امكان هذه الفرضية لا يكفي لتصحيح الاستدلال ما لم يثبت كونها هي المستظهرة عرفا من الآية الكريمة.

الثاني: ان الحكم بوجوب التبين معلل في الآية الكريمة بالتحرز من الاصابة بجهالة، والعلة مشتركة بين اخبار الآحاد لان عدم العلم ثابت فيها جميعا، فتكون بمثابة القرينة المتصلة على الغاء المفهوم. وأجيب عن ذلك تارة بان الجهالة ليست مجرد عدم العلم، بل تستطبن السفاهة، وليس في العمل بخبر العادل سفاهة لان سيرة العقلاء عليه. واخرى بان المفهوم اخص من عموم التعليل لانه يقتضي حجية خبر العادل بينما التعليل يدل على عدم حجية كل ما هو غير علمي، ويشمل باطلاقه خبر العادل، فليكن المفهوم مقيدا لعموم التعليل.

[254]

وثالثة: بان المفهوم مفاده ان خبر العادل لا حاجة إلى التبين بشأنه لانه بين واضح، وهذا يعني افتراضه بمثابة الدليل القطعي، والامر بالتعامل معه على أساس أنه بين ومعلوم، وبهذا يخرج عن موضوع عموم التعليل، لان العموم في التعليل موضوعه عدم العلم. فاذا كان خبر العادل واضحا بينا بحكم الشارع، فهو علم ولا يشمله التعليل. ومنها آية النفر، وهي قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلم يحذرون)(1).

وتقريب الاستدلال بها انها تدل على مطلوبية التحذر عنه الانذار بقرينه وقوع الحذر موقع الترجي بدخول لعل عليه، وجعله غاية للانذار الواجب، ومقتضى الاطلاق كون التحذر واجبا عند الانذار، ولو لم يحصل العلم من قوله المنذر، وهذا يكشف عن حجية اخبار المنذر.

والجواب على ذلك: اولا: ان وجوب التحذر عند الانذار لا يكشف عن كون الحذر الواجب بملاك حجية خبر المنذر، وذلك لان الانذار يفترض العقاب مسبقا، وكون الحكم منجزا بمنجز سابق، كالعلم الاجمالي أو الشك قبل الفحص، ولا يصدق عنوان الانذار على الاخبار عن حكم لا يستتبع عقابا الا بسبب هذا الاخبار.

وثانيا: لو سلمنا ان خبر المنذر بنفسه كان منجزا، فهذا لا يساوق الحجية بمعناها الكامل لما سبق من ان اي دليل احتمالي على التكليف. فهو ينجزه بحكم العقل، فغاية ما تفيده الآية الكريمة انها تنفي جعل اصالة البراء‌ة

___________________________________

(1) سورة التوبة: 122.(*)

[255]

شرعا في موارد قيام الخبر على التكليف، ولا تثبت جعل الشارع الحجية للخبر. نعم بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان يكشف ما ذكر عن الجعل الشرعي، إذ لولا الجعل الشرعي لجرت قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

وثالثا: ان الآية الكريمة لو دلت على حجية قول المنذر شرعا، فانما تدل على حجيته بما هو رأي ونظر، لا بما هو اخبار وشهادة، لان الانذار يعني مزج الاخبار بتشخيص المعنى واقتناص النتيجة.

ومنها آية الكتمان، وهي قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يعلنهم الله ويعلنهم اللاعنون)(1).

وتقريب الاستدلال بها انها تدل بالاطلاق على حرمة الكتمان. ولو في حالة عدم ترتب العلم على الابداء، وهذا يكشف عن وجوب القبول في هذه الحالة، لان تحريم الكتمان من دون ايجاب القبول لغو، ووجوب القبول مع عدم العلم يساوق حكم الشارع بالحجية. والجواب على ذلك: اولا: ان الكتمان انما يصدق في حالة الاخفاء مع توفر مقتضيات الوضوح والعلم، فلا يشمل الاطلاق المذكور عدم الاخبار في مورد لا تتوفر فيه مقتضيات العلم.

وثانيا: ان تعميم حرمة الكتمان لعله بدافع الاحتياط من قبل المولى لعدم امكان اعطاء قاعدة للتمييز بين موارد ترتب العلم على الاخبار وغيرها، فان الحاكم قد يوسع موضوع حكمه الواقعي بدافع الاحتياط، وهذا غير الامر بالاحتياط.

___________________________________

(1) سورة البقرة: 159. (*)

[256]

ومنها آية السؤال من اهل الذكر، وهي قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(1).

وتقريب الاستدلال ان الامر بالسؤال يدل باطلاقه على وجوب قبول الجواب، ولو لم يفد العلم لانه بدون ذلك يكون الامر بالسؤال في حال عدم افادة الجواب للعلم لغوا، واذا وجب قبول الجواب ولو لم يفد العلم، ثبتت الحجية. وقد اتضح الجواب مما سبق إضافة إلى ان الامر بالسؤال في الآية ليس ظاهرا في الامر المولوي لكي يستفاد منه ذلك، لانه وارد في سياق الحديث مع المعاندين والمتشككين في النبوة من الكفار، ومن الواضح ان هذا السياق لا يناسب جعل الحجية التعبدية، وانما يناسب الارشاد إلى الطرق التي توجب زوال التشكك، ودفع الشبهة بالحجة القاطعة، لان الطرف ليس ممن يتعبد بقرارات الشريعة.

ونلاحظ ايضا ان الامر بالسؤال مفرع على قوله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) والتفريع يمنع عن انعقاد اطلاق في متعلق السؤال لكي يثبت الامر بالسؤال في غير مورد المفرع عليه وامثاله. هذا على ان مورد الآية لا حجية فيه لاخبار الاحاد لانه يرتبط باصول الدين. وإذا قطعنا النظر عن كل ذلك، فالاستدلال يتوقف على حمل اهل الذكر على العلماء والرواة لا أهل النبوات السابقة بحمل الذكر على العلم لا على الرسالة الالهية.

واما السنة فلا بد لكي يصح الاستدلال بها في المقام ان تكون ثابتة بوسيلة من وسائل الاحراز الوجداني، ولا يكفي ثبوتها بخبر الواحد لئلا يلزم الدور.

___________________________________

(1) سورة النحل 43. (*)

[257]

وهنا وسيلتان للاحراز الوجداني: احداهما التواتر في الروايات الدالة على حجية خبر الواحد، والاخرى السيرة.

اما الوسيلة الاولى فتقريب الاستدلال بها: ان حجية خبر الواحد يمكن اقتناصها من ألسنة روايات كثيرة تشترك جميعا في افادة هذا المعنى وان اختلفت مضامينها، وبذلك يحصل التواتر الاجمالي، ويثبت بالتواتر حجية خبر الواحد الواجد من المزايا لما يجعله مشمولا لمجمع تلك الروايات المكونة للتواتر، فاذا اتفق وجود خبر من هذا القبيل يدل على حجية خبر الواحد في دائرة أوسع أخذ به.

واما الوسيلة الثانية، فتقريب الاستدلال بها يشتمل على الامور التالية: اولا: اثبات السيرة وكون المتشرعة، والرواة في عصر الائمة كانوا يعملون باخبار الثقات، ولو لم تفدهم الاطمئنان الشخصي، وفي هذا المجال يمكن استعمال الطريق الثالث من طرق إثبات السيرة المتقدمة، وذلك لتوفر شروطه، فانه لا شك في وجود عدد كبير من هذه الروايات بأيدي المتشرعة المعاصرين للائمة ودخول حكمها في محل ابتلائهم على أوسع نطاق، فاما ان يكونوا قد انعقدت سيرتهم على العمل بها من أجل تلقي ذلك من الشارع، او جريا على سجيتهم، واما ان يكونوا قد توقفوا عن العمل بها.

والاول هو المطلوب اذ تثبت بذلك السيرة الممتدة في تطبيقها إلى المجال الشرعي. واما الثاني فليس من المحتمل ان يؤدي توقفهم إلى طرح تلك الروايات جميعا بدون استعلام الحكم الشرعي تجاها، لان ارتكاز الاعتماد على اخبار الثقات، وكون طرح خبر الثقة على خلاف السجية العقلائية، يحول عادة دون

[258]

التوافق على الطرح بلا استعلام، والاستعلام يجب ان يكون بحجم اهمية المسألة، وهذا يقتضي افتراض اسئلة وأجوبة كثيرة، فلو لم يكن خبر الثقة حجة لكان هذا يعني تضافر النصوص بذلك في مقام الجواب على اسئلة الرواة، ومع توفر الدواعي على نقل ذلك لا بد من وصول هذه النصوص الينا، ولو في الجملة، بينما لم يصل الينا شئ من ذلك، بل وصل ما يعزز الحجية، وهذا يعين اما استقرار العمل باخبار الثقات بدون استعلام، واما استقراره على ذلك بسبب الاستعلام وصدور البيانات المثبتة للحجية.

ثانيا: ان السيرة الثابتة بالبيان السابق إذ كانت سيرة لاصحاب الائمة بما هم متشرعة، فهي تكشف عن الدليل الشرعي بلا حاجة إلى ضم مقدمة، واذا كانت سيرة لهم بما هم عقلاء، ضممنا اليها مقدمة اخرى وهي: ان الشارع لم يردع عنها إذ لو كان قد ردع بالدرجة الكافية لاثر هذا الردع من ناحية في هدم السيرة، ولو صل الينا شئ من نصوص الردع.

ثالثا: ان الآيات الناهية عن العمل بالظن قد يتوهم انها تردع عن السيرة، لان خبر الواحد امارة ظنية فيشمله اطلاق النهي عن العمل بالظن، ولكن الصحيح انها لا تصلح ان تكون رادعة، وذلك لاننا اثبتنا بالفعل انعقاد السيرة المعاصرة للائمة على العمل باخبار الثقات في الشرعيات، وهذا يعني بعد استبعاد العصيان.

اما وصول دليل اليهم على الحجية، او غفلتهم عن اقتضاء تلك النواهي للردع، او عدم كونها دالة على ذلك في الواقع، وعلى كل من هذه التقادير لا يكون الردع تاما. ومثل ذلك يقال في مقابل التمسك بأدلة الاصول كدليل أصالة البراء‌ة مثلا لاثبات الردع باطلاقها لحالة قيام خبر الثقة على خلاف الاصل المقرر فيها.

رابعا: ان عدم الردع يكشف عن الامضاء، وهذا واضح بعد اثبات امتداد السيرة إلى الشرعيات وجريانها على اثبات الحكم الشرعي بخبر الثقة،

[259]

الامر الذي يعرض الاغراض الشرعية للتفويت، لو لم تكن مرضية، مضافا إلى ان ظاهر الحال في امثال المقام هو الامضاء، كما تقدم.

أدلة نفي الحجية

وقد استدل على نفي الحجية بالكتاب والسنة. اما الكتاب فبما ورد فيه من النهي عن اتباع الظن، كقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) *(1). وقد يجاب على ذلك بان النهي المذكور، انما يدل على نفي الحجية عن خبر الواحد بالاطلاق، وهذا الاطلاق يقيد بدليل حجية خبر الواحد، سواء كان لفظيا او سيرة.

اما على الاول فواضح، واما على الثاني فلان إطلاق الآيات لا يصلح ان يكون رادعا عن السيرة كما تقدم، وهذا يعني استقرار حجية السيرة فتكون مقيدة للاطلاق. واما السنة ففيها ما دل على عدم جواز العمل بالخبر غير العلمي، وفيها ما دل على عدم جواز العمل بخبر لا يكون عليه شاهد من الكتاب الكريم.

اما الفريق الاول فيرد عليه: اولا: انه من اخبار الاحاد الضعيفة سندا ولا دليل على حجيته.

وثانيا: انه يشمل نفسه لانه خبر غير علمي بالنسبة الينا، ولا نحتمل الفرق بينه وبين سائر الاخبار غير العلمية، وهذا يعني امتناع حجية هذا الخبر، لان حجيته تؤدي إلى نفي حجيته والتعبد بعدمها.

___________________________________

(1) الاسراء 36. (*)

[260]

واما الفريق الثاني فيرد عليه، انه لو تم في نفسه لكان مطلقا شاملا للاخبار الواردة في اصول الدين، والاخبار الواردة في الاحكام، فيعتبر ما دل على الحجية في القسم الثاني بالخصوص صالحا لتقييد اطلاق تلك الروايات.

تحديد دائرة الحجية

وبعد افتراض ثبوت الحجية يقع الكلام في تحديد دائرتها، وتحديد الدائرة تارة بلحاظ صفات الراوي، واخرى بلحاظ المروي.

اما باللحاظ الاول فصفوة القول في ذلك: ان مدرك الحجية اذا كان مفهوم آية النبأ، فهو يقتضي حجية خبر العادل ولا يشمل خبر الفاسق الثقة، واذا كان المدرك السنة على اساس الروايات والسيرة، فلا شك في ان موضوعها خبر الثقة، ولو لم يكن عادلا من غير جهة الاخبار، الا ان وثاقة الراوي تارة تؤخذ مناطا للحجية على وجه الموضوعية، واخرى تؤخذ مناطا لها على وجه الطريقية، وبما هي سبب للوثوق غالبا، بصدق الراوي، وصحة نقله، فان استظهر الاول لزم القول بحجية خبر الثقة، ولو قامت امارة عكسية مكافئة لوثاقة الراوي في كشفها، وان استظهر الثاني لزم سقوط خبر الثقة عن الحجية في حالة قيام امارة من هذا القبيلي.

وعليه يترتب ان اعراض القدماء من علمائنا عن العمل بخبر ثقة، يوجب سقوطه عن الحجية - إذا لم يحتمل فيه كونه قائما على اساس اجتهادي - لانه يكون إمارة على وجود خلل في النقل.

واما خبر غير الثقة فان لم تكن هناك إمارات ظنية على صدقه، فلا اشكال في عدم حجيته، وان كانت هناك امارات كذلك، فان افادت الاطمئنان الشخصي كان حجة لحجية الاطمئنان، كما تقدم، والا ففي حجية الخبر وجهان مبنيان على ان وثاقة الراوي هل هي مأخوذة مناطقا للحجية على

[261]

وجه الموضوعية، او بما هي سبب للوثوق الغالب بالمضنون على نحو يكون السبب والمسبب كلاهما دخيلين في الحجية، او بما هي معرف صرف للوثوق الغالب بالمضمون دون ان يكون لوثاقة الراوي دخل بعنوانها.

فعلى الاول والثاني لا يكون الخبر المذكور حجة، وعلى الثالث يكون حجة. وعلى هذه التقادير تبتنى اثباتا ونفيا مسألة انجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور من قدماء العلماء. فان عمل المشهور به يعتبر امارة على صحة النقل، فقد يدخل في نطاق الكلام السابق.

واما باللحاظ الثاني فيعتبر في الحجية امران: احدهما: ان يكون الخبر حسيا لا حدسيا، والآخر ان لا يكون مخالفا لدليل قطعي الصدور من الشارع، كالكتاب الكريم.

اما الاول فلعدم شمول أدلة الحجية للاخبار الحدسية. واما الثاني فلما دل من الروايات على عدم حجية الخبر المخالف للكتاب الكريم، فانه يقيد أدلة حجية الخبر بغير صورة المخالفة للكتاب الكريم، او ما كان بمثابته من الادلة الشرعية القطعية صدورا وسندا.

قاعدة التسامح في أدلة السنن

ذكرنا ان خبر غير الثقة إذا لم تكن هناك امارات على صدقه، فهو ليس بحجة، ولكن قد يستثنى من ذلك الاخبار الدالة على المستحبات، او على مطلق الاوامر والنواهي غير الالزامية، فيقال، بانها حجة في اثبات الاستحباب او الكراهة ما لم يعلم ببطلان مفادها. ويستند في ذلك إلى روايات فيها الصحيحة وغيرها، دلت على ان من بلغه عن النبي ثواب على عمل فعمله كان له مثل ذلك الثواب، وان كان النبي لم يقله، بدعوى ان هذه الروايات تجعل الحجية لمطلق البلوغ في موارد المستحبات، ومن اجل هذا يعبر عن ذلك بالتسامح في ادلة السنن.

[262]

والتحقيق ان هذه الروايات فيها بدوا عدة احتمالات: الاول: أن تكون في مقام جعل الحجية لمطلق البلوغ.

الثاني: أن تكون في مقام إنشاء إستحباب واقعي نفسي على طبق البلوغ، فيكون بلوغ إستحباب الفعل عنوانا ثانويا له يستدعي ثبوت إستحباب واقعي بهذا العنوان.

الثالث: أن تكون ارشادا إلى حكم العقل بحسن الاحتياط وإستحقاق المحتاط للثواب.

الرابع: أن تكون وعدا مولويا لمصلحة في نفس الوعد، ولو كانت هذه المصلحة هي الترغيب في الاحتياط بإعتبار حسنه عقلا.

والاستدلال بالروايات على ما ذكر مبني على الاحتمال الاول، وهو غير متعين بل ظاهر لسان الروايات ينفيه لانها تجعل للعامل الثواب، ولو مع مخالفة الخبر للواقع. فلو كان وضع نفس الثواب تعبيرا عن التعبد بثبوت المؤدي، وحجية البلوغ، لما كان هناك معنى للتصريح بأن نفس الثواب محفوظ حتى مع مخالفة الخبر للواقع.

كما أن الاحتمال الثاني لا موجب لاستفادته أيضا الا دعوى أن الثواب على عمل فرع كونه مطلوبا، وهي مدفوعة بأنه يكفي حسن الاحتياط عقلا ملاكا للثواب.

فالمتعين هو الاحتمال الثالث، ولكن مع تطعيمه بالاحتمال الرابع، لان الاحتمال الثالث بمفرده لا يفسر إعطاء العامل نفس الثواب الذي بلغه، لان العقل إنما يحكم بإستحقاق العامل للثواب لا لشخص ذلك الثواب، فلا بد من الالتزام بأن هذه الخصوصية مردها إلى وعد مولوي.