المفاهيم

تعريف المفهوم

الكلام له مدلول مطابقي وهو المنطوق، وقد يتفق أن يكون له مدلول التزامي، والمفهوم مدلول التزامي للكلام، ولكن لا كل مدلول إتزامي، بل المدلول الالتزامي الذي يعبر عن إنتفاء الحكم في المنطوق إذا إختلفت بعض القيود المأخوذة في المدلول المطابقي، فقولك (صلاة الجمعة واجبة) يدل بالدلالة الالتزامية على أن صلاة الظهر ليست واجبة، ولكن هذا ليس مفهوما، لانه لا يعبر عن إنتفاء نفس وجوب صلاة الجمعة، أي إنتفاء حكم المنطوق.

وتحصل الدلالة الالتزامية على إنتفاء الحكم المنطوق بإختلال بعض القيود بسبب أن الربط الخاص المأخوذ في المدلول المطابقي بين الحكم وقيوده قد أخذ على نحو يستدعي إنتفاء الحكم المنطوق بإنتفاء ما ربط به. ولكن ليس كل إنتفاء من هذا القبيل للحكم المنطوق مفهوما أيضا، بل إذا تضمن إنتفاء طبيعي الحكم المنطوق، فزيد مثلا قد يجب إكرامه بملاك المجاملة، وقد يجب إكرامه بملاك مجازاة الاحسان، وقد يجب إكرامه بملاك الشفقة، وهكذا، فإذا قيل (إذا جاء‌ك زيد فاكرمه) فوجوب الاكرام المبرر بهذا الكلام لا بد أن يكون واحدا من هذه الافراد للوجوب.

[220]

ولنفترض أنه الفرد الاول منها مثلا، وهذا الفرد من الوجوب ينتفي بانتفاء الشرط تطبيقا لقاعدة إحترازية القيود، ولكن هذه القاعدة لا تنفي سائر أفراد الوجوب الاخرى، ولا يعتبر ذلك مفهوما، بل المفهوم أن يدل الربط الخاص المأخوذ في المنطوق بين الحكم وقيده على إنتفاء طبيعي الحكم بانتفاء القيد، فقولنا: (إذا جاء زيد فاكرمه) في المثال المتقدم، إنما يعتبر له مفهوم إذا دل الربط فيه بين الشرط والجزاء على إنه في حالات إنتفاء الشرط ينتفي طبيعي وجوب الاكرام بكل أفراده الآنفة الذكر.

ومن هنا صح تعريف المفهوم بأنه: إنتفاء طبيعي الحكم المنطوق على أن يكون هذا الانتفاء مدلولا إلتزاميا لربط الحكم في المنطوق بطرفه.

ضابط المفهوم

وعلى ضوء ما ذكرناه في تعريف المفهوم نواجه السؤال التالي: ما هو هذا النحو من الربط الذي يستلزم إنتفاء الحكم عند الانتفاء لكي نبحث بعد ذلك عن الجمل التي يمكن القول بأنها تدل على ذلك النحو من الربط، وبالتالي يكون لها مفهوم؟ والمعروف أن الربط الذي يحقق المفهوم يتوقف على ركنين أساسيين: أحدهما: أن يكون الربط معبرا عن حالة لزوم علي إنحصاري: وبكلمة أخرى أن يكون من ارتباط المعلول بعلته المنحصرة، إذ لو كان الربط بين الجزاء والشرط مثلا مجرد إتفاق بدون لزوم، أو لزوما بدون علية او علية بدون انحصار لتوفر علة أخرى، لما إنتفى مدلول الجزاء بانتفاء ما ارتبط به في الجملة من شرط، لامكان وجوده بعلة أخرى.

والركن الآخر: أن يكون المرتبط بتلك العلة المنحصرة طبيعي الحكم، وسنخه لا شخصه لكي ينتفي الطبيعي بإنتفاء تلك العلة لا الشخص فقط، لما عرفت سابقا من أن المفهوم لا يتحقق إلا إذا كان الربط مستلزما لانتفاء طبيعي الحكم المنطوق بإنتفاء القيد. ونلاحظ على الركن الاول من هذين الركنين.

[221]

أولا: أن كون المرتبط به الحكم علة تامة ليس أمرا ضروريا لاثبات المفهوم، بل يكفي أن يكون جزء العلة إذا إفترضنا كونه جزء‌ا لعلة منحصرة، فالمهم من ناحية المفهوم الانحصار لا العلية.

وثانيا: أن الجملة الشرطية مثلا إذا أفادت كون الجزاء ملتصقا بالشرط ومتوقفا عليه كفى ذلك في إثبات الانتفاء عند الانتفاء، ولو لم يكن فيها ما يثبت علية الشرط للجزاء أو كونه جزء العلة، بل وحتى لو لم يكن فيها ما يدل على اللزوم، ولهذا لو قلنا إن مجئ زيد متوقف صدفة على مجئ عمرو، لدل ذلك على عدم مجئ زيد في حالة عدم مجئ عمرو، فليست دلالة الجملة على اللزوم العلي الانحصاري هي الاسلوب الوحيد لدلالتها على المفهوم، بل يكفي بدلا عن ذلك دلالتها على الالتصاق والتوقف، ولو صدفة من جانب الجزاء.

مفهوم الشرط

من أهم الجمل التي وقع البحث عن مفهومها الجملة الشرطية. ولا شك في دلالتها على ربط الجزاء بالشرط، وأن وقع الاختلاف في الدال على هذا الربط، فالرأي المعروف أن أداة الشرط هي الدالة على الربط وضعا، وخالف في ذلك المحقق الاصفهاني، إذ ذهب إلى أن الاداة موضوعة لافادة أن مدخولها (أي الشرط) قد إفترض، وقدر على نهج الموضوع في القضية الحقيقية، وأما ربط الجزاء بالشرط وتعليقه عليه، فهو مستفاد من هيئة الجملة وما فيها من ترتيب للجزاء على الشرط.

وعلي أي حال يتجه البحث حول ما إذا كان هذا الربط المستفاد من الجملة الشرطية بين الجزاء والشرط يفي بإثبات المفهوم أولا. وفي هذا المجال نواجه سؤالين على ضوء ما تقدم من الضابط لاثبات المفهوم:

[222]

أولا: هل المعلق طبيعي الحكم أو شخصه؟ ثانيا: هل يستفاد من الجملة أن الشرط علة منحصرة للمعلق؟ وفيما يتصل بالسؤال الاول يقال عادة: بأن المعلق طبيعي الحكم لا الشخص، وذلك بإجراء الاطلاق وقرينة الحكمة في مفاد هيئة جملة الجزاء، فإن مفادها هو المحكوم عليه بالتعليق، ومقتضى الاطلاق أنه لوحظ بنحو الطبيعي لا بنحو الشخص، ففي جملة (إذ جاء زيد فاكرمه) نثبت بالاطلاق أن مفاد (أكرم) طبيعي الوجوب المفاد بنحو المعنى الحرفي والنسبة الارسالية.

وفيما يتصل بالسؤال الثاني قد يقال: إن أداة الشرط موضوعة لغة للربط العلي الانحصاري بين الشرط والجزاء، ولكن يورد على ذلك عادة بأنها لو كانت موضوعة على هذا النحو لزم أن يكون إستعمالها في مورد كون الشرط علة غير منحصرة مجازا وهو خلاف الوجدان، ومن وهنا اتجه القائلون بالمفهوم إلى دعوى أخرى وهي: أن اللزوم مدلول وضعي للاداة، والعلية مستفادة من تفريغ الجزاء على الشرط بالفاء الثابتة حقيقة أو تقديرا، وأما الانحصار فيثبت بالاطلاق، إذ لو كان للشرط بديل يتحقق عوضا عنه في بعض الاحيان، لكان لا بد من تقييد الشرط المذكور في الجملة بذلك البديل بحرف (او) ونحوها، فيقال مثلا (إن جاء زيد أو مرض فاكرمه) فحيث لم يذكر ذلك والقي الشرط مطلقا، ثبت بذلك عدم وجود البديل وهو معنى الانحصار.

الشرط المسوق لتحقيق الموضوع

يوجد في الجملة الشرطية (إن جاء زيد فاكرمه) حكم وهو وجوب الاكرام وشرط وهو المجئ، وموضوع ثابت في حالتي وجود الشرط وعدمه، وهو زيد، وفي هذه الحالة يثبت مفهوم الشرط تبعا لما تقدم من بحوث.

[223]

ولكننا أحيانا نجد أن الشرط يساوق وجود الموضوع ويعني تحقيقه على نحو لا يكون في الجملة الشرطية موضوع محفوظ في حالتي وجود الشرط وعدمه، كما في قولنا: إذا رزقت ولدا فاختنه، وفي مثل ذلك لا مجال للمفهوم إذ مع عدم الشرط لا موضوع لكي تدل الجملة على نفي الحكم عنه، ويسمى الشرط في حالات من هذا القبيل بالشرط المسوق لتحقيق الموضوع.

مفهوم الوصف

إذا قيد متعلق الحكم أو موضوعه بوصف معين، كما في إكرام الفقير العادل، فهل يدل التقييد بوصف معين، كما في إكرام الفقير العادل، فهل يدل التقييد بوصف العادل على المفهوم؟ قد يقال بثبوت المفهوم لاحد الوجهين التاليين: الاول: أنه لو كان يجب إكرام الفقير العادل والفقير غير العادل معا، فهذا يعني أن العدالة ليس لها دخل في موضوع الحكم بالوجوب، مع أن أخذ قيد في الخطاب ظاهر عرفا في أنه دخيل في الحكم.

ويرد على ذلك: أن دلالة الخطاب على دخل القيد لا شك فيها، ومردها إلى ظهور حال المتكلم في أن كل ما يبين بالكلام في مرحلة المدلول التصوري فهو داخل في نطاق المراد الجدي، وحيث أن الوصف قد بين في مرحلة المدلول بوصفه قيدا، فيثبت بذلك أنه دخيل في موضوع الحكم المراد جدا، وعلى أساس ذلك قامت قاعدة إحترازية القيود كما تقدم، غير أن ذلك إنما يقتضي دخل الوصف في شخص الحكم وإنتفاء هذا الشخص الذي سيق الكلام لابرازه بإنتفاء الوصف لا إنتفاء طبيعي الحكم، وما نقصده بالمفهوم إنتفاء الطبيعي.

الثاني: أنه لو كان يجب إكرام الفقير العادل والفقير غير العادل ولو

[224]

بفردين من الوجوب وبجعلين، لما كانت هناك فائدة في ذكر المولى لقيد العدالة، لانه لو لم يذكره وجاء الخطاب مطلقا لما أضر بمقصوده، وإذا لم تكن هناك فائدة في ذكر القيد كان لغوا، فيتعين لصيانة كلام المولى عن اللغوية أن يفترض لذكر القيد فائدة، وهي التنبيه على عدم شمول الحكم للفقير غير العادل فيثبت المفهوم وهذا البيان وإن كان متجها، ولكنه إنما يقتضي نفي الثبوت الكلي الشامل للحكم في حالات إنتفاء الوصف ولا ينفي ثبوته في بعض الحالات مع إنتفائه في حالات أخرى، إذ يكون لذكر القيد عندئذ فائدة وهي التحرز عن هذه الحالات الاخرى، لانه لو لم يذكر لشمل الخطاب كل حالات الانتفاء.

فالوصف إذن له مفهوم محدود، ويدل على إنتفاء الحكم بإنتفاء الوصف على نحو السالبة الجزئية لا على نحو السالبة الكلية. وينبغي أن نلاحظ في هذا المجال، أن الوصف تارة يذكر مع موصوفه فيقال مثلا: (إحترم العالم الفقيه) وأخرى يذكر مستقلا فيقال: (إحترم الفقيه). والوجه الاول لاثبات المفهوم للوصف لو تم يجري في كلتا الحالتين، وأما الوجه الثاني فيختص بالحالة الاولى، لان ذكر الوصف في الحالة الثانية لا يكون لغوا على أي حال ما دام الموصوف غير مذكور.

جمل الغاية والاستثناء

وهناك جمل أخرى يقال عادة بثبوت المفهوم لها كالجملة المتكلفة لحكم مغيبي، كما في (صم إلى الليل) أو المتكفلة لحكم مع الاستثناء منه. ولا شك في أن الغاية والاستثناء يدلان على أن شخص الحكم الذي أريد إبرازه بذلك الخطاب منفي بعد وقوع الغاية، ومنفي عن المستثنى تطبيقا لقاعدة إحترازية القيود، ولكن هذا لا يكفي لاثبات المفهوم، لان المطلب فيه نفي طبيعي

[225]

الحكم، كما في الجملة الشرطية، وهذا يتوقف على إثبات كون الغاية أو الاستثناء غاية لطبيعي الحكم، وإستثناء منه على وزان كون المعلق في الجملة الشرطية طبيعي الحكم، فإن أمكن إثبات ذلك للغاية ولاداة الاستثناء مفهوم كمفهوم الجملة الشرطية، فتدلان على أن طبيعي الحكم ينتفي عن جميع الحالات التي تشملها الغاية أو يشملها المستثنى، وإذا لم يكن إثبات ذلك لم يكن للغاية والاستثناء مفهوم بهذا المعنى.

نعم يثبت لها مفهوم محدود بقدر ما ثبت للوصف بقرينة اللغوية إذ لو كان طبيعي الحكم ثابتا بعد الغاية أو للمستثنى ايضا ولو بجعل آخر، كان ذكر الغاية أو الاستثناء بلا مبرر عرفي فلا بد من إفتراض إنتفاء الطبيعي في حالات وقوع الغاية وحالات المستثنى ولو بنحو السالبة الجزئية صيانة للكلام عن اللغوية.