الادلة
تحديد المنهج في الادلة والاصول
عرفنا سابقا ان الادلة التي يستند اليها الفقيه في استدلاله الفقهي واستنباطه للحكم الشرعي على قسمين، فهي: اما ادلة محرزة يطلب بها كشف الواقع، واما ادلة عملية (اصول عملية) تحدد الوظيفة العملية للشاك الذي لا يعلم بالحكم. ويمكن القول على العموم بان كل واقعة يعالج الفقيه حكمها يوجد فيها دليل من القسم الثاني اي اصل عملي يحدد لغير العالم الوظيفة العملية، فان توفر للفقيه الحصول على دليل محرز أخذ به وترك الاصل العملي وفقا لقاعدة تقدم الادلة المحرزة على الاصول العملية، كما يأتي ان شاء الله تعالى في تعارض الادلة، وان لم يتوفر دليل محرز أخذ بالاصل العملي فهو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز.
وتختلف الادلة المحرزة عن الاصول العملية في ان تلك تكون أدلة ومستندا للفقيه بلحاظ كاشفيتها عن الواقع واحرازها للحكم الشرعي، واما هذه فتكون أدلة من الوجهة العملية فقط، بمعنى انها تحدد كيف يتصرف الانسان الذي لا يعرف الحكم الشرعي للواقعة. كما ان الادلة المحرزة تختلف فيما بينها، لان بعضها أدلة قطعية تؤدي إلى القطع بالحكم الشرعي، وبعضها ادلة ظنية تؤدي إلى كشف ناقص محتمل الخطأ عن الحكم الشرعي، وهذه
[166]
الادلة الظنية هي التي تسمى بالامارات.
المنهج على مسلك حق الطاعة
واعم الاصول العملية - بناء على مسلك حق الطاعة - هو اصالة اشتغال الذمة، وهذا أصل يحكم به العقل ومفاده ان كل تكليف يحتمل وجوده ولم يثبت إذن الشارع في ترك التحفظ تجاهه فهو منجز، وتشتغل به ذمة المكلف، ومرد ذلك إلى ما تقدم من ان حق الطاعة للمولى يشمل كل ما ينكشف من التكاليف ولو انكشافا ظنيا أو احتماليا. وهذا الاصل هو المستند العام للفقيه، ولا يرفع يده عنه الا في بعض الحالات التالية:
اولا: اذا حصل له دليل محرز قطعي على نفي التكليف كان القطع معذرا بحكم العقل كما تقدم، فيرفع يده عن اصالة الاشتغال إذ لا يبقى لها موضوع.
ثانيا: اذا حصل له دليل محرز قطعي على اثبات التكليف فالتنجز يظل على حاله، ولكنه يكون بدرجة اقوى واشد كما تقدم.
ثالثا: اذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا ولا اثباتا، ولكن حصل له القطع بترخيص ظاهري من الشارع في ترك التحفظ، فحيث ان منجزية الاحتمال والظن معلقة على عدم ثبوت إذن من هذا القبيل كما تقدم، فمع ثبوته لا منجزية فيرفع يده عن اصالة الاشتغال. وهذا الاذن تارة يثبت بجعل الشارع الحجية للامارة (الدليل المحرز غير القطعي)، كما اذا أخبر الثقة المظنون الصدق بعدم الوجوب فقال لنا الشارع: صدق الثقة، وأخرى يثبت بجعل الشارع لاصل عملي من قبله، كأصالة الحل الشرعية القائلة (كل شئ حلال حتى تعلم انه حرام) والبراءة الشرعية القائلة (رفع ما لا يعلمون) وقد تقدم الفرق بين الاماراة والاصل العملي.
[167]
رابعا: اذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا ولا اثباتا، ولكن حصل له القطع بان الشارع لا يأذن في ترك التحفظ، فهذا يعني ان منجزية الاحتمال والظن تظل ثابتة غير انها أكد وأشد مما إذا كان الاذن محتملا.
وهنا ايضا تارة يثبت عدم الاذن من الشارع في ترك التحفظ، بجعل الشارع الحجية للامارة، كما اذا أخبر الثقة المظنون الصدق بالوجوب فقال الشارع: ولا ينبغي التشكيك فيما يخبر به الثقة او قال: صدق الثقة، واخرى يثبت بجعل الشارع لاصل عملي من قبله كاصالة الاحتياط الشرعية المجعولة في بعض الحالات.
فائدة المنجزية والمعذرية الشرعية
وبما ذكرناه ظهر انه في الحالتين الاولى والثانية لا معنى لتدخل الشارع في ايجاد معذرية أو منجزية، لان القطع ثابت، وله معذرية ومنجزية كاملة، وفي الحالتين الثالثة الرابعة يمكن للشارع ان يتدخل في ذلك، فاذا ثبت عنه جعل الحجية للامارة النافية للتكليف او جعل أصل مرخص كأصالة الحل، ارتفعت بذلك منجزية الاحتمال او الظن. لان هذا الجعل منه إذن في ترك التحفظ، والمنجزية المذكورة معلقة على عدم ثبوت الاذن المذكور، واذا ثبت عنه جعل الحجية لامارة مثبتة للتكليف او لاصل يحكم بالتحفظ، تأكدت بذلك منجزية الاحتمال، لان ثبوت ذلك الجعل معناه العلم بعدم الاذن في ترك التحفظ ونفي لاصالة الحل ونحوها.
المنهج على مسلك قبح العقاب بلا بيان
وما تقدم كان بناء على مسلك حق الطاعة، واما بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان فالامر على العكس تماما والبداية مختلفة، فان اعم الاصول العملية حينئذ هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان وتسمى ايضا بالبراءة العقلية
[168]
ومفادها: ان المكلف غير ملزم عقلا بالتحفظ تجاه اي تكليف ما لم ينكشف بالقطع واليقين، وهذا الاصل لا يرفع الفقيه يده عنه الا في بعض الحالات: ولنستعرض الحالات الاربع المتقدمة لنرى حال الفقيه فيها بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان.
اما الحالة الاولى: فيظل فيها قبح العقاب ثابتا (أي المعذرية) غير انه يتأكد بحصول القطع بعدم التكليف.
واما الحالة الثانية: فيرتفع فيها موضوع البراءة العقلية، لان عدم البيان على التكليف تبدل إلى البيان والقطع فيتنجز التكليف.
واما الحالة الثالثة: فيظل فيها قبح العقاب ثابتا، غير انه يتأكد بثبوت الاذن من الشارع في ترك التحفظ.
واما الحالة الرابعة: فاصحاب هذا المسلك يلتزمون عمليا فيها، بان التكليف يتنجز على الرغم من انه غير معلوم، ويتحيرون نظريا في كيفية تخريج ذلك على قاعدتهم القائلة بقبح العقاب بلا بيان، بمعنى ان الامارة المثبتة للتكليف بعد جعل الحجية لها او أصالة الاحتياط، كيف تقوم مقام القطع الطريقي فتنجز التكليف مع انه لا يزال مشكوكا وداخلا في نطاق قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وسيأتي في الحلقة التالية بعض اوجه العلاج للمشكلة عند اصحاب هذا المسلك.
الادلة المحرزة
تقسيم البحث في الادلة المحرزة
يعتمد الفقيه في عملية الاستنباط على عناصر مشتركة تسمى بالادلة المحرزة كما تقدم، وهي اما أدلة قطعية، بمعنى انها تؤدي إلى القطع بالحكم فتكون حجة على اساس حجية القطع الناتج عنها، واما ادلة ظنية، ويقوم دليل قطعي على حجيتها شرعا، كما إذا علمنا بان المولى أمر باتباعها فتكون حجة بموجب الجعل الشرعي.
والدليل المحرز في الفقه سواء كان قطعيا أو لا، ينقسم إلى قسمين.
الاول: الدليل الشرعي ونعني به كل ما يصدر من الشارع مما له دلالة على الحكم، ككلام الله سبحانه او كلام المعصوم. الثاني: الدليل العقلي ونعني به القضايا التي يدركها العقل ويمكن ان يستنبط منها حكم شرعي كالقضية العقلية القائلة بان إيجاب شئ يستلزم ايجاب مقدمته.
والقسم الاول ينقسم بدوره إلى نوعين: احدهما: الدليل الشرعي اللفظي، وهو كلام المعصوم كتابا أو سنة.
والآخر: الدليل الشرعي غير اللفظي، ويتمثل في فعل المعصوم سواء كان تصرفا مستقلا او موقفا امضائيا تجاه سلوك معين وهو الذي يسمى بالتقرير.
[172]
والبحث في هذا القسم بكلا نوعيه تارة يقع في تحديد دلالات الدليل الشرعي، واخرى في ثبوت صغراه، وثالثة في حجية تلك الدلالة ووجوب الاخذ بها، ففي الدليل الشرعي إذن ثلاثة أبحاث. ولكن قبل البدء بهذه الابحاث على الترتيب المذكور نستعرض بعض المبادئ والقواعد العامة في الادلة المحرزة.
الاصل عند الشك في الحجية
عرفنا ان للشارع دخلا في جعل الحجية للادلة المحرزة غير القطعية (الامارات)، فان احرزنا جعل الشارع الحجية لامارة فهو، وإذا شككنا في ذلك لم يكن بالامكان التعويل على تلك الامارة لمجرد احتمال جعل الشارع الحجية لها، لانها إن كانت نافية للتكليف ونريد ان نثبت بها المعذرية فمن الواضح بناء على ما تقدم عدم امكان ذلك ما لم نحرز جعل الحجية لها الذي يعني إذن الشارع في ترك التحفظ تجاه التكليف المشكوك، إفذ بدون إحراز هذا الاذن تكون منجزية الاحتمال للتكليف الواقعي قائمة بحكم العقل، ولا ترتفع هذه المنجزية الا بإحراز الاذن في ترك التحفظ، ومع الشك في الحجية لا احراز للاذن المذكور. وان كانت الامارة مثبتة للتكليف، ونريد ان نثبت بها المنجزية خروجا عن أصل معذر كأصالة الحل المقررة شرعا، فواضح ايضا انا ما لم نقطع بحجيتها لا يمكن رفع اليد بها عن دليل أصالة الحل مثلا، فدليل الاصل الجاري في الواقعة والمؤمن عن التكليف المشكوك، هو المرجع ما لم يقطع بحجية الامارة المثبتة للتكليف. وبهذا صح القول ان الاصل عند الشك في الحجية عدم الحجية، بمعنى ان الاصل نفوذ الحالة المتفرضة لولا تلك الامارة من منجزية او معذرية.
مقدار ما يثبت بالادلة المحرزة
الدليل المحرز له مدلول مطابقي ومدلول التزامي، فكلما كان الدليل المحرز حجة ثبت بذلك مدلوله المطابقي، واما مدلوله الالتزامي ففيه بحث، وحاصله ان الدليل المحرز إذا كان قطعيا فلا شك في ثبوت مدلولاته الالتزامية به لانها تكون قطعية ايضا، فتثبت بالقطع كما يثبت المدلول المطابقي بذلك، واذا كان الدليل ظنيا وقد ثبتت حجيته بجعل الشارع كما في الامارة مثل خبر الثقة وظهور الكلام فهنا حالتان: الاولى: ان يكون موضوع الحجية - اي ما حكم الشارع بانه حجة - صادقا على الدلالة الالتزامية كصدقها على الدلالة المطابقية، ومثال ذلك: ان يرد دليل على حجية خبر الثقة، ويقال بان الاخبار عن شئ اخبار عن لوازمه، وفي هذه الحالة يثبت المدلول الالتزامي لانه مما أخبر عنه الثقة بالدلالة الالتزامية فيشمله دليل الحجية المتكفل للامر بالعمل بكل ما أخبر به الثقة مثلا.
الثانية: ان لا يكون موضوع الحجية صادقا على الدلالة الالتزامية، ومثال ذلك: ان يرد دليل على حجية ظهور اللفظ، فان الدلالة الالتزامية غير العرفية ليست ظهورا لفظيا فلا تشكل فردا من موضوع دليل الحجية، فمن هنا يقع البحث في حجية الدليل لاثبات المدلول الالتزامي في حالة من هذا القبيل، وقد يستشكل في ثبوت هذه الحجية بدليل حجية الظهور، لان دليل حجية الظهور لا يثبت الحجية الا لظهور اللفظ، والدلالة الالتزامية لهذا الظهور ليست ظهورا لفظيا فلا تكون حجة، ومجرد علمنا من الخارج بان ظهور اللفظ اذا كان صادقا فدلالته الالتزامية صادقة ايضا، لا يبرر استفادة الحجية للدلالة الالتزامية، لان الحجية حكم شرعي، وقد يخصصه بإحدى الدلالتين دون الاخرى على الرغم من تلازمهما في الصدق.
[174]
ويوجد في هذا المجال اتجاهان: احدهما للمشهور وهو: ان دليل الحجية كلما استفيد منه جعل الحجية لشئ بوصفه إمارة على الحكم الشرعي كان ذلك كافيا لاثبات لوازمه ومدلولاته الالتزامية. وعلى هذا الاساس وضعوا قاعدة مؤداها ان مثبتات الامارات حجة، اي ان الامارة كما يعتبر اثباتها لمدلوها المطابقي حجة، كذلك اثباتها لمدلولها الالتزامي. والاتجاه الآخر للسيد الاستاذ حيث ذهب إلى ان مجرد قيام دليل حجية إمارة على اساس ما لها من كشف عن الحكم الشرعي لا يكفي لذلك، إذ من الممكن ثبوتا ان الشارع يتعبد المكلف بالمدلول المطابقي من الامارة فقط، كما يمكنه ان يتعبده بكل ما تكشف عنه مطابقة او التزاما، وما دام كلا هذين الوجهين ممكنا ثبوتا، فلا بد لتعيين الاخير منهما من وجود اطلاق في دليل الحجية يقتضي امتداد التعبد وسريانه إلى المداليل الالتزامية.
والصحيح هو الاتجاد الاول، وذلك لاننا عرفنا سابقا ان الامارة معناها الدليل الظني الذي يستظهر من دليل حجيته، ان تمام الملاك بحجيته هو كشفه بدون نظر إلى نوع المنكشف، وهذا الاستظهار متى ما تم في دليل الحجية كان كافيا لاثبات الحجية في المدلولات الالتزامية ايضا، لان نسبة كشف الامارة إلى المدلول المطابقي والالتزامي بدرجة واحدة دائما، وما دام الكشف هو تمام الملاك للحجية بحسب الفرض، فيعرف من دليل الحجية ان مثبتات الامارة كلها حجة. وعلى خلاف ذلك الاصول العملية تنزيلية أو غيرها فانها لما كانت مبنية على ملاحظة نوع المؤدى كما تقدم فلا يمكن ان يستفاد من دليلها اسراء التعبد إلى كل اللوازم الا بعناية خاصة في لسان الدليل، ومن هنا قيل إن الاصول العملية ليست حجة في مثبتاتها اي في مدلولاتها الالتزامية، وسيأتي تفصيل الكلام عن ذلك في ابحاث الاصول العملية ان شاء الله تعالى.
تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية
عرفنا ان الامارات حجة في المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي معا، والمدلول الالتزامي تارة يكون مساويا للمدلول المطابقي، واخرى يكون اعم منه، ففي حالة المساواة اذا علم بان المدلول المطابقي باطل فقد علم ببطلان المدلول الالتزامي ايضا، وبذلك تسقط الامارة بكلا مدلوليها عن الحجية، واما اذا كان اللازم اعم وبطل المدلول المطابقي، فالمدلول الالتزامي يظل محتملا، ومن هنا يأتي البحث التالي: وهو ان حجية الامارة في اثبات المدلول الالتزامي هل ترتبط بحجيتها في اثبات المدلول المطابقي أو لا؟ فالارتباط يعني انها اذا سقطت عن الحجية في المدلول المطابقي للعلم ببطلانه مثلا، سقطت ايضا عن الحجية في المدلول الالتزامي وهو معنى التبعية، وعدم الارتباط يعني ان كلا من الدلالة المطابقية والدلالة الالتزامية حجة ما لم يعلم ببطلان مفادها بالخصوص، ومجرد العلم ببطلان المدلول المطابقي لا يوجد خللا في حجية الدلالة الالتزامية ما دام المدلول الالتزامي محتملا ولم يتضح بطلانه بعد.
وقد يستدل على الارتباط بأحد الوجهين التاليين: الاول: ان الدلالة الالتزامية متفرعة في وجودها على الدلالة المطابقية، فتكون متفروعة في حجيتها ايضا. ويلاحظ على ذلك ان التفرع في الوجود لماذا يستلزم التفرع في الحجية؟ أو لا يمكن ان نفترض ان كل واحدة من الدلالتين موضوع مستقل للحجية بلحاظ كاشفيتها؟ الثاني ان نفس السبب الذي يوجب سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية، يوجب دائما سقوط الدلالة الالتزامية، فإذا علم مثلا بعدم ثبوت المدلول المطابقي وسقطت بذلك حجية الدلالة المطابقية، فان هذا العلم بنفسه يعني العلم ايضا بعدم ثبوت المدلول الالتزامي، لان ما تحكي عنه الدلالة الالتزامية
[176]
دائما حصة خاصة من اللازم، وهي الحصة الناشئة او الملازمة للمدلول المطابقي لا طبيعي اللازم على الاطلاق، وتلك الحصة مساوية للمدلول المطابقي دائما.
وبكلمة اخرى ان ذات اللازم وان كان أعم احيانا، ولكنه بما هو مدلول التزامي مساو دائما للمدلول المطابقي فلا يتصور ثبوته بدونه، فموت زيد وان كان اعم من احتراقه بالنار ولكن من اخبر باحتراقه بالمطابقة فهو لا يخبر التزاما بالموت الاعم ولو كان بالسم، بل مدلوله الالتزامي هو الموت الناشئ من الاحتراق خاصه، فاذا كنا نعلم بعدم الاحتراق فكيف نعمل بالمدلول الالتزامي؟ وسيأتي تكميل البحث عن ذلك وتعميقه في الحلقة الآتيه ان شاء الله تعالى.
وفاء الدليل بدور القطع الموضوعي
الدليل المحرز اذا كان قطعيا فهو يفي بما يقتضيه القطع الطريقي من منجزية ومعذرية، لانه يوجد القطع في نفس المكلف بالحكم الشرعي، كما انه يفي بما يترتب على القطع الموضوعي من احكام شرعيه، لان هذه الاحكام يتحقق موضوعها وجدانا.
والدليل المحرز غير القطعي (اي الامارة) يفي بما يقتضيه القطع الطريقي من منجزية ومعذرية، فالامارة الحجة شرعا إذا دلت على ثبوت التكليف اكدت منجزيته واذا دلت على نفي التكليف كانت معذرا عنه ورفعت أصالة الاشتغال كما لو حصل القطع الطريقي بنفي التكليف كما تقدم توضيحه، وهذا معناه قيام الامارة مقام القطع الطريقي، ولكن هل تفي الامارة بالقيام مقام القطع الموضوعي فيه بحث وخلاف فلو قال المولى كل ما قطعت بانه خمر فأرقه وقامت الامارة الحجة شرعا على ان هذا خمر ولم يحصل القع بذلك، فهل يترتب وجوب الاراقة على هذه الامارة كما يترتب على القطع
[177]
أولا؟ وهنا تفصيل وهو انا تارة نفهم من دليل وجوب اراقة مقطوع الخمرية، ان مقصود هذا الدليل من المقطوع ما قامت حجة منجزة على خمريته وليس القطع الا كمثال، واخرى نفهم منه اناطة الحكم بوجوب الاراقة بالقطع بوصفه كاشفا تاما لا يشوبه شك ففي الحالة الاولى تقوم الامارة الحجة مقام القطع الموضوعي ويترتب عليها وجوب الاراقة لانها تحقق موضوع هذا الوجوب وجدانا وهو الحجة.
وفي الحالة الثانية لا يكفي مجرد كون الامارة حجة وقيام دليل على حجيتها ووجوب العمل بها لكي تقوم مقام القطع الموضوعي، لان وجوب الاراقة منوط بالقطع بما هو كاشف تام، والامارة وان اصبحت حجة ومنجزة لمؤداها بجعل الشارع، ولكنها ليست كاشفا تاما على اي حال، فلا يترتب عليها وجوب الاراقة، إلا اذا ثبت في دليل الحجية او في دليل آخر، ان المولى اعمل عناية ونزل الامارة منزلة الكاشف التام في احكامه الشرعية، كما نزل الطواف منزلة الصلاة في قوله: الطواف بالبيت صلاة، وهذه عناية اضافية لا يستبطنها مجرد جعل الحجية للامارة. وبهذا صح القول إن دليل حجية الامارة بمجرد افتراضه الحجية لا يفي لاقامتها مقام القطع الموضوعي.
اثبات الدليل لجواز الاستناد
من المقرر فقهيا ان اسناد حكم إلى الشارع بدون علم غير جائز، وعلى هذا الاساس فاذا قام على الحكم دليل وكان الدليل قطعيا، فلا شك في جواز اسناد مؤداه إلى الشارع لانه اسناد بعلم.
واما اذا كان الدليل غير قطعي كما في الامارة التي قد جعل الشارع لها الحجية وأمر باتباعها فهل يجوز هنا اسناد الحكم إلى الشارع؟ لا ريب في جواز اسناد نفس الحجية والحكم الظاهري إلى الشارع لانه معلوم وجدانا.
[178]
واما الحكم الواقعي الذي تحكي عنه الامارة فقد يقال: إن اسناده غير جائز لانه لا يزال غير معلوم، ومجرد جعل الحجية للامارة لا يبرر الاسناد بدون علم، وانما يجعلها منجزة ومعذرة من الوجهة العملية.
وقد يقال إن هذا مرتبط بالبحث السابق في قيام الامارة مقام القطع الموضوعي، لان القطع أخذ موضوعا لجواز اسناد الحكم إلى المولى، فاذا استفيدت من دليل الحجية تلك العناية الاضافية التي تقوم الامارة بموجبها مقام القطع الموضوعي، ترتب عليها جواز اسناد مؤدى الامارة إلى الشارع وإلا فلا.