تنويع البحث

حينما يستنبط الفقيه الحكم الشرعي، ويستدل عليه تارة، يحصل على دليل يكشف عن ثبوت الحكم الشرعي فيعول على كشفه، وأخرى يحصل على دليل يحدد الموقف العملي والوظيفة العملية تجاه الواقعة المجهول حكمها، وهذا ما يكون في الاصول العملية التي هي أدلة على الوظيفة العملية وليست أدلة على الواقع.

وعلى هذا الاساس سوف نصنف بحوث علم الاصول إلى نوعين: أحدهما: البحث في الادلة من القسم الاول، أي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتخذ أدلة، بإعتبار كشفها عن الحكم الشرعي، ونسميها بالادلة المحرزة. والآخر البحث في الاصول العملية، وهي الادلة من القسم الثاني أي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتخذ أدلة على تحديد الوظيفة العملية تجاه الحكم الشرعي المجهول، ونسميها بالادلة العملية أو الاصول العملية. وكل ما يستند إليه الفقيه في إستدلاله الفقهي وإستنباطه للحكم الشرعي لا يخرج عن أحد هذين القسمين من الادلة.

ويمكن القول على العموم: بأن كل واقعة يعالج الفقيه حكمها يوجد فيها أساسا دليل من القسم الثاني أي أصل عملي يحدد الوظيفة العملية، فإن توفر للفقيه الحصول على دليل محرز أخذ به وترك الاصل العملي، وفقا لقاعدة تقدم الادلة المحرزة على الاصول العملية كما يأتي ان شاء الله تعالى، وإن لم يتوفر دليل محرز أخذ بالاصل العملي فهو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز.

[153]

ويوجد عنصر مشترك يدخل في جميع عمليات إستنباط الحكم الشرعي، سواء ما استند فيه الفقيه إلى دليل من القسم الاول أو إلى دليل من القسم الثاني، وهذا العنصر هو حجية القطع، ونريد بالقطع إنكشاف قضية بدرجة لا يشوبها شك، ومعنى حجيته كونه منجزا أي مصححا للعقاب إذا خالف العبد مولاه في تكليف مقطوع به لديه، وكونه معذرا أي نافيا لاستحقاق العقاب عن العبد إذا خالف مولاه نتيجة عمله بقطعه.

وواضح أن حجية القطع بهذا المعنى لا تستغني عنه جميع عمليات الاستنباط، لانها إنما تؤدي إلى القطع بالحكم الشرعي أو بالموقف العملي تجاهه، ولكي تكون هذه النتيجة ذات أثر، لا بد من الاعتراف مسبقا بحجية القطع، بل أن حجية القطع مما يحتاجها الاصولي في الاستدلال على القواعد الاصولية نفسها، لانه مهما استدل على ظهور صيغة أفعل في الوجوب مثلا فلن يحصل على أحسن تقدير إلا على القطع بظهورها في ذلك، وهذا لا يفيد إلا مع إفتراض حجية القطع.

كما إنه بعد إفتراض تحديد الادلة العامة، والعناصر المشتركة في عملية الاستنباط، قد يواجه الفقيه حالات التعارض بينها، سواء كان التعارض بين دليل من القسم الاول، ودليل من القسم الثاني كالتعارض بين الامارة والاصل، أو بين دليلين من قسم واحد سواء كانا من نوع واحد كخبرين لثقتين، أو من نوعين كالتعارض بين خبر الثقة وظهور الآية، أو بين أصالة الحل والاستصحاب.

ومن أجل ذلك سنبدأ فيما يلي بحجية القطع، ثم نتكلم عن القسم الاول من الادلة. ثم عن القسم الثاني (الاصول العملية) ونختم بأحكام تعارض الادلة إن شاء الله تعالى ومنه نستمد التوفيق.