تطبيقات حجية الظهور على الادلة اللفظية
ونستعرض فيما يلي ثلاث حالات لتطبيق قاعدة حجية الظهور: الاولى: أن يكون للفظ في الدليل معنى وحيد في اللغة ولا يصلح للدلالة على معنى آخر في النظام اللغوي والعرفي العام.
[90]
والقاعدة العامة تحتم في هذه الحالة أن يحمل اللفظ على معناه الوحيد ويقال: " إن المتكلم أراد ذلك المعنى "، لان المتكلم يريد باللفظ دائما المعنى المحدد له في النظام اللغوي العام، ويعتبر الدليل في مثل هذه الحالة صريحا في معناه ونصا.
الثانية: أن يكون للفظ معان متعددة متكافئة في علاقتها باللفظ بموجب النظام اللغوي العام من قبيل المشترك، وفي هذه الحالة لا يمكن تعيين المراد من اللفظ على أساس تلك القاعدة: إذ لا يوجد معنى أقرب إلى اللفظ من ناحية لغوية لتطبيق القاعدة عليه، ويكون الدليل في هذه الحالة مجملا.
الثالثة: أن يكون للفظ معان متعددة في اللغة وأحدها أقرب إلى اللفظ لغويا من سائر معانيه، ومثاله كلمة " البحر" التي لها معنى حقيقي قريب وهو " البحر من الماء " ومعنى مجازي بعيد وهو " البحر من العلم "، فإذا قال الآمر: " إذهب إلى البحر في كل يوم " وأردنا أن نعرف ماذا أراد المتكلم بكلمة البحر من هذين المعنيين؟ يجب علينا أن ندرس السياق الذي جاءت فيه كلمة البحر ونريد ب " السياق " كل ما يكشف اللفط الذي نريد فهمه من دوال أخرى، سواء كانت لفظية كالكلمات التي تشكل مع اللفظ الذي نريد فهمه كلاما وتحدا مترابطا، أو حالية كالظروف والملابسات التي تحيط بالكلام وتكون ذات دلالة في الموضوع.
فإن لم نجد في سائر الكلمات التي وردت في السياق ما يدل على خلاف المعنى الظاهر من كلمة البحر كان لزاما علينا أن نفسر كلمة البحر على أساس المعنى اللغوي الاقرب تطبيقا للقاعدة العامة القائلة بحجية الظهور. وقد نجد في سائر أجزاء الكلام ما لا يتفق مع ظهور كلمة البحر، ومثاله أن يقول الآمر: " اذهب إلى البحر في كل يوم وإستمع إلى حديثه بإهتمام ".
فإن الاستماع إلى حديث البحر لا يتفق مع المعنى اللغوي الاقرب إلى كلمة
[91]
البحر وإنما يناسب العالم الذي يشابه البحر لغزارة علمه - وفي هذه الحالة - نجد أنفسنا تتسأل ماذا أراد المتكلم بكلمة البحر، هل أراد بها البحر من العلم بدليل أنه أمرنا بالاستماع إلى حديثه، أو أراد بها البحر من الماء ولم يقصد بالحديث هنا المعنى الحقيقي بل أراد به الاصغاء إلى صوت أمواج البحر؟ وهكذا نظل مترددين بين كلمة البحر وظهورها اللغوي من ناحية، وكلمة الحديث وظهورها اللغوي من ناحية أخرى، ومعنى هذا أنا نتردد بين صورتين: إحديهما صورة الذهاب إلى بحر من الماء المتموج والاستماع إلى صوت موجه، وهذه الصورة هي التي توحي بها كلمة البحر والاخر صورة الذهاب إلى عالم غزير العلم والاستماع إلى كلامه، وهذه الصورة هي التي توحي بها كلمة الحديث.
وفي هذا المجال يجب أن نلاحظ السياق جميعا كلكل ونرى أي هاتين الصورتين أقرب إليه في النظام اللغوي العام؟ أي إن هذا السياق إذا ألقي على ذهن شخص يعيش اللغة ونظامها بصورة صحيحة هل سوف تسبق إلى ذهنه الصورة الاولى أو الصورة الثانية؟ فإن عرفنا أن إحدى الصورتين أقرب إلى السياق بموجب النظام اللغوي العام - ولنفرضها الصورة الثانية - تكون للسياق - ككل - ظهور في الصورة الثانية ووجب أن نفسر الكلام على أساس تلك الصورة الظاهرة.
ويطلق على كلمة الحديث في هذا المثال إسم " القرينة " لانها هي التي دلت على الصورة الكاملة للسياق وأبطلت مفعول كلمة البحر وظهورها. وأما إذا كانت الصورتان متكافئتين في علاقتهما بالسياق فهذا يعني أن الكلام أصبح مجملا ولا ظهور له، فلا يبقى مجال لتطبيق القاعدة العامة.