1 - الدليل الشرعي: أ - الدليل الشرعي اللفظي (حجية الظهور)

إذا واجهنا دليلا شرعيا فليس المهم أن نفسره بالنسبة إلى مدلوله التصوري اللغوي فحسب، بل أن نفسره بالنسبة إلى مدلوله التصديقي لنعرف ماذا أراد الشارع به وكثيرا ما نلاحظ أن اللفظ صالح لدلالات لغوية وعرفية متعددة فكيف نستطيع أن نعين مراد المتكلم منه.

وهنا نستعين بظهورين: أحدهما ظهور اللفظ في مرحلة الدلالة التصورية في معنى معين، ومعنى الظهور في هذه المرحلة أن هذا المعنى أسرع إنسباقا إلى تصور الانسان عند سماع اللفظ من غيره من المعاني فهو أقرب المعاني إلى اللفظ لغة. والآخر ظهور حال المتكلم في أن ما يريده مطابق لظهور اللفظ في مرحلة الدلالة التصويرية أي أنه يريد أقرب المعاني ألى اللفظ لغة وهذا ما يسمى بظهور التطابق بين مقام الاثبات ومقام الثبوت، ومن المقرر في علم الاصول أن ظهور حال المتكلم في ارادة أقرب المعاني إلى اللفظ، حجة.

ومعنى حجية الظهور إتخاذه أساسا لتفسير الدليل اللفظي على ضوئه، فنفترض دائما أن المتكلم قد أراد المعنى الاقرب إلى اللفظ في النظام اللغوي العام(1) أخذا بظهور حاله. ولاجل ذلك يطلق على حجية الظهور إسم

___________________________________

(1) لا نريد باللغة والنظام اللغوي العام هنا اللغة في مقابل العرف، بل النظام القائم بالفعل لدلالة الالفاظ سواء كان لغويا أوليا أو ثانويا (*).

[89]

" أصالة الظهور " لانها تجعل الظهور هو الاصل لتفسير الدليل اللفظي.

وفي ضوء هذا نستطيع أن نعرف لماذا كنا نهتم في البحث السابق بتحديد المدلول اللغوي الاقرب للكلمة والمعنى الظاهر لها بموجب النظام اللغوي العام. مع أن المهم عند تفسير الدليل اللفظي هو إكتشاف ماذا أراد المتكلم باللفظ من معنى؟ لا ما هو المعنى الاقرب إليه في اللغة؟ فإنا ندرك في ضوء إصالة الظهور أن الصلة وثيقة جدا بين إكتشاف مراد المتكلم وتحديد المدلول اللغوي الاقرب للكلمة، لان أصالة الظهور تحكم بأن مراد المتكلم من اللفظ هو نفس المدلول اللغوي الاقرب، أي المعني الظاهر من اللفظ لغة، فلكي نعرف مراد المتكلم يجب أن نعرف المعنى الاقرب إلى اللفظ لغة لنحكم بأنه هو المعنى المراد للمتكلم.

والدليل على حجية الظهور يتكون من مقدمتين: الاولى: إن الصحابة وأصحاب الائمة كانت سيرتهم قائمة على العمل بظواهر الكتاب والسنة وإتخاذ الظهور أساسا لفهمها كما هو واضح تاريخيا من عملهم وديدنهم.

الثانية: أن هذه السيرة على مرأى ومسمع من المعصومين عليهم السلام ولم يعترضوا عليها بشئ وهذا يدل على صحتها شرعا وإلا لردعوا عنها، وبذلك يثبت إمضاء الشارع للسيرة القائمة على العمل بالظهور وهو معنى حجية الظهور شرعا.