العنصر المشترك بين النوعين

ويوجد بين العناصر المشتركة في عملية الاستنباط عنصر مشترك يدخل في جميع عمليات استنباط الحكم الشرعي بكلا نوعيها: ما كان منها قائما على أساس الدليل وما كان قائما على أساس الاصل العملي. وهذا العنصر هو حجية القطع ونريد بالقطع انكشاف قضية من القضايا بدرة لا يشوبها شك.

ومعنى حجية القطع يتلخص في أمرين: أحدهما: أن العبد اذا تورط في مخالفة المولى نتيجة لعمله بقطعه واعتقاده، فليس للمولى معاقبته، وللعبد أن يعتذر عن مخالفته للمولى بانه عمل على وفق قطعه، كما اذا قطع العبد خطأ بان الشراب الذي أمامه ليس خمرا فشربه اعتمادا على قطعه وكان الشراب خمرا في الواقع، ليس للمولى أن يعاقبه على شربه للخمر ما دام قد استند إلى قطعه، وهذا أحد الجانبين من حجية العلم ويسمى بجانب المعذرية.

والآخر: أن العبد اذا تورط في مخالفة المولى نتيجة لتركه العمل بقطعه فللمولى ان يعاقبه ويحتج عليه بقطعه، كما اذا قطع العبد بان الشراب الذي أمامه خمر فشربه وكان خمرا في الواقع، فإن من حق المولى ان يعاقبه على مخالفته، لان العبد كان على علم بحرمة الخمر وشربه فلا يعذر في ذلك، وهذا هو الجانب الثاني من حجية القطع ويسمى بجانب المنجزية.

[59]

وبديهي أن حجية القطع بهذا المعنى الذي شرحناه لا يمكن ان تستغني عنه أي عملية من عمليات استنباط الحكم الشرعي، لان الفقيه يخرج من عملية الاستنباط دائما بنتيجة، وهي العلم بالموقف العملي تجاه الشريعة وتحديده على أساس الدليل أو على أساس الاصل العملي، ولكي تكون هذه النتيجة ذات أثر لا بد من الاعتراف مسبقا بحجية القطع، إذ لو لم يكن القطع حجة ولم يكن صالحا للاحتجاج به من المولى على عبده ومن العبد على مولاه لكانت النتيجة التي خرج بها الفقيه من عملية الاستنباط لغوا، لان عمله ليس حجة، ففي كل عملية استنباط لا بد إذن أن يدخل عنصر حجية القطع لكي تعطي العملية ثمارها ويخرج منها الفقيه بنتيجة إيجابية.

وبهذا أصبحت حجية القطع أعم العناصر الاصولية المشتركة وأوسعها نطاقا. وليست حجية القطع عنصرا مشتركا في عمليات استنباط الفقيه للحكم الشرعي فحسب، بل هي في الواقع شرط أساسي في دراسة الاصولي للعناصر المشتركة نفسها أيضا، فنحن حينما ندرس مثلا مسألة حجية الخبر أو حجية الظهور العرفي إنما نحاول بذلك تحصيل العلم بواقع الحال في تلك المسألة، فاذا لم يكن العلم والقطع حجة فاي جدوى في دراسة حجية الخبر والظهور العرفي.

فالفقيه والاصولي يستهدفان معا من بحوثهما تحصيل العلم بالنتيجة الفقهية " تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة " أو الاصولية " العنصر المشترك "، فبدون الاعتراف المسبق بحجية العلم والقطع تصبح بحوثهما عبثا لا طائل تحته، وحجية القطع ثابتة بحكم العقل، فإن العقل يحكم بان للمولى سبحانه حق الطاعة على الانسان في كل ما يعمله من تكاليف المولى وأوامره ونواهيه فإذا علم الانسان بحكم إلزامي من المولى " وجوب أو حرمة " دخل ذلك الحكم الالزامي ضمن نطاق حق الطاعة، وأصبح من حق المولى على الانسان ان

[60]

يمتثل ذلك الالزام الذي علم به، فاذا قصر في ذلك أو لم يؤد حق الطاعة كان جديرا بالعقاب، وهذا هو جانب المنجزية في حجية القطع، ومن ناحية أخرى يحكم العقل ايضا بان الانسان القاطع بعدم الالزام من حقه أن يتصرف كما يحلو له، وإذا كان الالزام ثابتا في الواقع والحالة هذه فليس من حق المولى على الانسان أن يمتثله ولا يمكن للمولى أن يعاقبه على مخالفته ما دام الانسان قاطعا بعدم الالزام، وهذا هو جانب المعذرية في حجية القطع.

والعقل كما يدرك حجية القطع كذلك يدرك أن الحجية لا يمكن أن تزول عن القعط بل هي لازمه له، ولا يمكن حتى للمولى أن يجرد القطع من حجيته ويقول: اذا قطعت بعدم الالزام فأنت لست معذورا، أو يقول: إذا قطعت بالالزام فلك أن تهمله، فإن كل هذا مستحيل بحكم العقل، لان القطع لاتنفك عنه المعذرية والمنجزية بحال من الاحوال، وهذا معنى القاعدة الاصولية القائلة باستحالة صدور الردع من الشارع عن القطع.

وقد تقول: هذا المبدأ الاصولي يعني أن العبد اذا تورط في عقيدة خاطئة فقطع مثلا بان شرب الخمر حلال فليس للمولى ان ينبه على الخطإ.

والجواب: أن المولى بإمكانه التنبيه على الخطإ وإخبار العبد بان الخمر ليس مباحا، لان ذلك يزيل القطع من نفس العبد ويرده إلى الصواب، والمبدأ الاصولي الآنف الذكر إنما يقرر استحالة صدور الردع من المولى عن العمل بالقطع مع بقاء القطع ثابتا، فالقطع بحلية شرب الخمر يمكن للمولى أن يزيل قطعه ولكن من المستحيل أن يردعه عن العمل بقطعه ويعاقبه على ذلك ما دام قطعه ثابتا ويقينه بالحلية قائما.